ابن كثير

132

البداية والنهاية

ببعضها ، وإن هذا الامر كان لمن قبلك ثم صار إليك ثم هو صائر لمن بعدك ، واذكر ليلة تسفر عن يوم القيامة . فبكى المنصور أشد من بكائه الأول حتى اختلفت أجفانه . فقال له سليمان بن مجالد : رفقا بأمير المؤمنين . فقال عمرو : وماذا على أمير المؤمنين أن يبكي من خشية الله عز وجل . ثم أمر له المنصور بعشرة آلاف درهم فقال : لا حاجة لي فيها . فقال المنصور : والله لتأخذنها . فقال : والله لا آخذنها . فقال له المهدي وهو جالس في سواده وسيفه إلى جانب أبيه : أيحلف أمير المؤمنين وتحلف أنت ؟ فالتفت إلى المنصور فقال : ومن هذا ؟ فقال : هذا ابني محمد ولى العهد من بعدي . فقال عمرو : إنك سميته اسما لم يستحقه لعمله ، وألبسته لبوسا ما هو لبوس الأبرار ، ولقد مهدت له أمرا أمتع ما يكون به أشغل ما يكون عنه . ثم التفت إلى المهدي فقال : يا بن أخي ! إذا حلف أبوك وحلف عمك فلان يحنث أبوك أيسر من أن يحنث عمك ، لان أباك أقدر على الكفارة من عمك . ثم قال المنصور : يا أبا عثمان هل من حاجة ؟ قال : نعم ! قال : وما هي ؟ قال : لا تبعث إلي حتى آتيك . ولا تعطني حتى أسألك . فقال المنصور : إذا والله لا نلتقي . فقال عمرو : عن حاجتي سألتني . فودعه وانصرف . فلما ولى أمده بصره وهو يقول : كلكم يمشي ( 1 ) رويد * كلكلم يطلب ( 2 ) صيد غير عمرو بن عبيد ويقال إن عمرو بن عبيد أنشد المنصور قصيدة في موعظته إياه وهي قوله . يا أيهذا الذي قد غره الامل * ودون ما يأمل التنغيص والأجل ألا ترى إنما الدنيا وزينتها * كمنزل الركب حلوا ثمت ارتحلوا حتوفها رصد وعيشها نكد * وصفوها كدر وملكها دول تظل تقرع بالروعات ساكنها * فما يسوغ له لين ولا جذل كأنه للمنايا والردى غرض * تظل فيه بنات الدهر تنتقل ( 3 ) تديره ما تدور به دوائرها * منها المصيب ومنها المخطئ الزلل والنفس هاربة والموت يطلبها * وكل عسرة رجل عندها جلل ( 4 ) والمرء يسعى بما يسعى ( 5 ) لوارثه * والقبر وارث ما يسعى له الرجل

--> ( 1 ) في أمالي المرتضى 1 / 176 : ماش . ( 2 ) في أمالي المرتضى : طالب . ( 3 ) في مروج الذهب 3 / 371 : تنتضل . ( 4 ) في مروج الذهب : . . . يرصدها * وكل عثرة . . . زلل ( 5 ) في مروج الذهب : لما يبقى .